الرئيسية » قالوا عن الحوت » ثم ماذا بعد محمود عبد العزيز

 

 

ثم ماذا بعد محمود عبد العزيز

ألا رحم الله محموداً الذي ستبقى منه الأغنيات العذبة، والصوت الصداح، وكرمه وبره بوالدته وإخوته، وإحسانه لكل من احتاج إليه. وستبقى سيرته العطرة التي لم تعرف خلافاً مع أحد، ولم يضغن في قلبه شيئاً على أحد. إنا لله وإنا إليه راجعون.
ولا بد من السؤال: ثم ماذا بعد محمود عبد العزيز؟ لنقف أولاً على المشهد الذي تركه محمود: لا مندوحة من القول ابتداءً أن محمود كان فنان جيله الأوحد وفنان أجيال تلته! إذ كان إنتاجه الغنائي غزيراً في مدى زمني قصير. فقد كانت ذروة نشاطه منذ انطلاقه في 1987-1988 إلى أن وافاه الأجل المحتوم في مطلع 2013 أكثر من 140 أغنية. وحقق إنتاجه من التسجيلات الغنائية أعلى مبيعات، منذ شريطه الأول في عام 1994، وتتابعت تسجيلاته الصوتية مليئة بعشرات الأغنيات الخاصة والمسموعة. وتسابق الملحنون الكبار لتقديم أعمالهم لتظهر بصوته، وبطريقته غير المسبوقة في الأداء. فكان أن تغنى بألحان عبد اللطيف خضر، ويوسف القديل، ومستودع النغم الشعبي عوض جبريل، وعبد الله الكردفاني، ويوسف الموصلي، والماحي سليمان، وأحمد المك. كما تجرأ محمود وقدم أعمالاً لعدد من الأسماء الجديدة في عالم التلحين، ومنهم هيثم عباس، والشيخ محمد عثمان، وناصر عبد العزيز، ومحمد مركز، وعاكف حسن عدلان، وعباس السناري، وغيرهم.

وفي المقابل، فإن المشهد الذي تركه محمود – عليه رحمة الله- يتمثل في وجود فنانين شباب بمعدل فنان لكل مواطن! وأغنيات تسيء للغناء ولأخلاق السودانيين. ومحاولات تقليد لأسلوب محمود عبد العزيز حتى وهو في عز شبابه وعنفوان مجده الفني.
ترك محمود أبناء جيله وأجيالاً من المطربين الشباب الذين لن يصلوا إلى مثل ما وصل إليه محمود، مهما كانت براعة “الفهلوة” من جانبهم، ومهما كانت مصلحة النظام في السماح لهم بترويج فنونهم البائخة، وأغنياتهم السمجة. بكل بساطة لأهم لا يملكون الجدية التي ملكها الراحل في اجتهاداته الغنائية، ولا التميز الصوتي الذي اتسم به.

ثم-ماذا

أما ما كان من شأن الذين جايلوا محمود عبد العزيز، فقد ذكرت للفنان الشاب وليد زاكي الدين أن العبء الذي سيقع عليه بعد رحيل محمود كبير جداً، لأنه مطالب بالاجتهاد، وتحدي الظروف لملء الفراغ الذي تركه غياب محمود. وأعتقد بأن وليد زاكي الدين هو الأكثر اجتهاداً من معاصري محمود. فقد اجتهد بتقديم عدد من الأغنيات التي صادفت قبولاً ونجاحاً. وأثبت قدرة فائقة في معالجة غناء “حقيبة الفن”، إذ تصرف ببراعة تنم عن ذائقته وحلو تفسيره لتلك الأغنيات ومراميها، مع الإبقاء على الميلودية الأساسية لتلك الأغنيات. وبرع وليد مقدماً ناجحاً للبرامج التلفزيونية. ويكاد برنامجه المحتجب “كل الجمال” يكون البرنامج الوحيد الذي يقوم على فكرة، وتخطيط مسبق، وعناية بالإخبار وتقديم المعلومات، بدلاً من إرضاء الغرور الشخصي وإشباع النرجسية وممارسة أمراض الإسهاب في الكلام وتعدد الأزياء وملء الزمن بالكلام الأجوف. لا أعرف حقاً لماذا توقف وليد عن تقديم ذلك البرنامج. ولا أعرف إن كان بوسعه أن يعاود تقديمه. ولا أعرف لماذا قلص إطلالته خلال الآونة الأخيرة.

ومن جيل محمود أيضاً بقي الفنان عصام محمد نور، بصوت متفرد، وأداء هادئ مدهش. وحاز عصام الإعجاب في ما تغنى به من أغنيات المطربين السودانيين الرواد، وما نفض عنه الغبار من غناء التراث، وغناء “حقيبة الفن”. لكنه لم يأت بأغنيات خاصة به ترسخ في ذهن السامع، وتدهش المتابع، وتروي ظمأ عشاق الغناء والطرب إلى فن أصيل يمثل حلقة وصل مع تركة رواد الغناء السوداني من أغنيات رومانسية طويلة وخفيفة، ومن أناشيد وطنية تثير الحمية في النفوس، وتشد السامعين إلى وجدانهم الجمعي، وهويتهم الوطنية البعيدة عن تعقيدات السياسة وألاعيب السياسيين.

أما الجيل التالي لمحمود ونديديه المذكورين، فإن أقلية منه تبدو متمسكة بالجدية، ومحاولات الإفلاح في تحقيق الشعبية المنشودة من خلال غناء جاذب، تتكامل مقوماته من كلمة شعرية جيدة، ولحن مقبول، وأداء موفق. ويتصدر تلك الأقلية الفنان عاصم البنا. غير أنه يبدو غارقاً أحياناً في تحقيق النجاح من خلال إعادة بعث أغنيات “حقيبة الفن”. نعم؛ صحيح أن الأجيال الصاعدة من أبنائنا وبناتنا بحاجة إلى تعريف بماضي الغناء وأساسه، ومعرفة النجوم التي سمقت في سماء الغناء القديم والحديث والمعاصر. لكن التوقف طويلاً في محطة حقيبة الفن” سيجر عاصم البنا أكثر وأكثر إلى خانة الماضي، وخصماً على عطائه كفنان وملحن ومؤد. وصحيح أيضاً أن التنقيب في كنوز التراث لاستخراج درر الحماسة والفخر والتغني بالقيم النبيلة مطلوب في كل الأوقات، لكن المطلوب حقاً من عاصم البنا وأبناء جيله أن يبعثوا تلك القيم، ويصوروا تلك المعاني في قصائد حديثة، وتلحينها والتغني بها في تلك الإيقاعات الشعبية الجامعة للناس الموحدة بين صفوفهم. وهو ما فعله من تقدموهم في ساحة الغناء. فقد تغنى محمد وردي بإيقاع الدليب المعروف في أربع من أغنياته الناجحات (الريلة، القمر بوبا، بنحب من بلدنا، بسيماتك)، وحتى ما كان له منها أساس راسخ في الغناء الشعبي في منطقة الشايقية كالريلة والقمر بوبا تمت معالجته شعرياً على يد مهندس الغناء العظيم الشاعر إسماعيل حسن. وفي إيقاع الدلوكة الشائع في غالبية أرجاء السودان، استخدم وردي الإيقاع في أغنيات نظمت حديثاً، وصاغ لها ألحاناً تصطبغ بطابع مدرسته في التأليف والأداء (سليم الذوق- كلمات إبراهيم الرشيد، أسمح زي والمرسال- كلمات محمد علي أبو قطاطي؛ على سبيل المثال).

أما الغالبية من مطربي الجيل الحالي، فيتصدرها شباب حققوا الشهرة والذيوع بمعان وقيم تدمر المجتمع، وتحطم الأخلاق والعادات، وترسخ تقاليد ذميمة لا يرضى بها عاقل لأبنائه وبناته. وهو بكل أسف جيل “الفهلوة”، واستغلال جهل الأجيال الصاعدة وانقطاع ماضيها عن حاضرها، وارتباكها من ضبابية مستقبلها. إنه جيل طه سليمان ونزار المهندس وأحمد الصادق وأخيه. إنه جيل من المغنين يعتمد في نجاحه الجماهيري على الإيقاع وضجيج “الكيبورد” وضحالة الكلمات التي تصورها أغنياتهم. وهي ضحالة وضآلة لم تقدم عليها حتى مغنيات ترقيص العرائس في عهود مضت، كان المجتمع فيها أشد تخلفاً، وأقل تعليماً، وأكثر فقراً.
تضم هذه “الجوقة” من فناني الغناء المسى شبابياً: أحمد حسن قرقوري، أمجد باقيرا، أحمد مامون، أحمد بورسودان، أيمن سوريبة، الواثق كمال، بوتو، فتحي السمري، جبر الله عبد الوهاب، حامد اب سبح، حنفي سالم، خالد العمدة، خالد نجم الدين، سامي المغرب، شكر الله عز الدين، شريف محجوب، طه سليمان، عصمت بكري، إيهاب العمرابي، عزو العشير، عبد العزيز القلّع، علاء الدين الصاروخ، فارس أرباب، محمد الطيب، محمد حسن، محمد سند، محمد لطيف، منتصر هلالية، محمد توم، مشعل الجيلي، مسعود فايز، نزار المهندس، إياد جنيدابي، محي الدين أركويت، الشفيع الحاج، وغيرهم. وقرأت في كلمة لصديقنا الدكتور محمد عبد الله الريح أنه أحصى 1147 فناناً على شاشات الفضائيات السودانية منذ عيد الأضحى الماضي، أو نحو ذلك!
ولا يخلو عشاق غناء هذا الجيش العرمرم من المغنين من ضحالة في الفهم، وقصر في النظر، حين يجودون بألقاب كبيرة على بعض هؤلاء المطربين، في حضرة من بقي من رواد الغناء الكبار، كشرحبيل أحمد وعبد الكريم الكابلي وعثمان حسين ومحمد وردي قبل رحيلهما. فأضحى الفنان طه سليمان “السلطان”، وأحمد الصادق “الامبراطور”. وسنرى من واقع ما يتغنون به إن كان أي منهما يستحق أي درجة من التعظيم.
لا أقول ذلك على سبيل إلقاء التهم جزافاً، ولا إلقاء القول على عواهنه. فمن أكثر الأغنيات رواجاً على ألسن فتيان هذا الجيل قول متشاعرهم:

لو قايلة ريدتنا زي مهند ونور
تبقي عيانة وشوفي ليك دكتور
رغم انو هواك ليا فيهو دهور
انتي عادية لا ملاك ولا حور
يعني هسه انتي عايشة الدور
هسه في الذمة انتي بتشبهي نور؟


… طيب يا أخانا المتفنن وأخانا المتشاعر إذا كان لك في هواها دهور كما تقول، فلماذا لم تكتشف في واحد من تلك الدهور أنها عادية وليست ملاكاً ولا حورية؟! أنظر بالله إلى قول الشاعر عبد الرحمن الريح الذي لم يتسن له الالتحاق بنموذجية خور عمر، ولم يتخرج في “الأهلية”، حين قال لمحبوبته في الأغنية التي لحنها إسماعيل عبد المعين وتغنت بها عائشة الفلاتية في سنة 1936: “إنت صورة ولا باشملاك… يا بلال زورني مرة”..
وفي ما يتوقع المستمع “ابن الناس” غناء هادئاً تظهر فيه براعة الشاعر في عتاب محبوبته مهما كانت قسوتها عليه أو أخطاؤها بحقه، يأتيك صور حسين الصادق مبحوحاً:

تزرع جميل ما بتحصدو
يا قلبي بابك أوصدو
الباع هواك أرصدو
بس بيعو كاش ما تقسطوا!!!


ويطل عليك شكر الله عز الدين في كامل “مكياجه” والدهان الذي يصبغ شعر رأسه، ليصدح في غير حياء:


ديمة لي ظلوم عيني جفاها النوم
شفتو مرة صباح في جامعة الخرطوم
بي حبو أنا عيان الباسم الفتان
أحلى ما فيهو خريج هندسة السودان
شفتو مرة نهار في كمبيوتر مان!!


ويبدو واضحاً أن شكر الله عز الدين لم يقرأ شعراً، بل ربما لم يقرأ كتاباً في حياته، لأن العتاب للمحبوب عنده يأتي على هذه الشاكلة القبيحة:


أنا ما داير أمشي معاك قلبي جد ملاك
أنا ما داير أشوفك لا بقدّر ظروفك
مليت سماع اسمك كرهتا نطق حروفك
مليتا صرة وشك كرهتا الابتسامة!!

هل يعتبر هذا شعراً؟ هل تنطبق عليه قوانين الشعر وأحكامه وأوزانه؟ يستحق شكر الله عز الدين لقب امبراطور الغناء الأشد هبوطاً.
من أحدث أغنيات الفنان أحمد البنا أغنيتا “الفيس أذانا وعذب ناس معانا” و”بفتح فيك بلاغ”.. يا ساتر هل تبيع محبوبته خموراً بلدية؟ أم أنها تاجرة بنقو؟! ومن العجب العجاب أن لهذا الفنان أغنية بعنوان “بتقولوا غنانا هابط”! ليس غناؤك وحده الهابط، بل أنت نفسك هابط وخطر على أخلاق الجيل الحالي والمقبل. من أغنيات عبقري الهبوط أحمد البنا “بلعب بيهو كورة” و”واجهني بتحداك” و”أنا ملّيت عمايلك”.

أما الامبراطور أحمد الصادق فهو ليس أقل هبوطاً من شقيقه. هذه بعض أغنياته: “ربي ياخدك”!، “كبري بحري”، جات كدا”، شوارع الخرطوم”، “الثورة سمحة خلاص”، “دقيت ليهو ما ردّ”، “لمن تحب حب بي فهم”… أول دعوة من نوعها إلى “عقلنة” الحب!
الفنان الذي أثار ضجة عند ظهوره هو طه سليمان. فقد ظهر بأغنية “عوض دكام”! وتمسك بأنها “أغنية قضية”! أي قضية يا رجل؟ في هذه الحال ماذا نقول عن غناء محجوب شريف وإسحق الحلنقي وغيرهما؟! وقبل أن يهدأ الغبار الذي أثارته “كلام يا عوض دكام”، قدم طه سليمان أغنية “حرامي القلوب تلّب”. تعالوا نقرأ جانباً من كلماتها:

وانا في نومي بتقلب حرامي القلوب تلّب
سألت رامي ورنده قفلتوا البرنده؟
وانا عايز أتعشى وأحلِّي بى ميرندا
وآخد لي سكتة ورقدت ونعست وسرحت
عاينت في الحيطة في حرامي ليْ تلّب
مشى عليْ برّاحة بقى مافي بينا مساحة

تصوروا قبح الصورة والتركيب من قبل الشاعر، وسذاجة الفنان “السلطان” الذي لو كان اتصل بابن جيله وزميله الفنان أحمد البنا لأبلغه بأن أفضل حل لحكاية “التليب” هذه أن “يفتح فيهو بلاغ”! وهي المرة الأولى التي أعرف فيها أن بناتنا “الجكسويات” مستعدات للقفز فوق الحوائط… “تُلُّب” من أجل الحب!
وبذات الذائقة الفطيرة يقول طه سليمان متوعداً حبيبه:


لو ما بكّيتك سنة وخليتك
باقي العمر تتشهّى فوق الهنا
أنا ما بكون أنا!
الولف الهناك بيتلف وللباقين ينسِفْ
وتجيني مذلول هنا
أوريك مذلّة غيرها ما بتتحل
يحلك مني الله!!

… والله العظيم هذه أول مرة أعرف فيها أن هناك عاشق “إرهابي” يهدد ويتوعد، ومفرداته تشمل التلف والنسف والذلة، وكمان “لايوق” إلا أن يهيئ الله للمعشوق طريقة “تحلّو منو”!!
ومع أن طه سليمان يبدو مبتسماً وبريئاً ولطيفاً، إلا أنه حين يغني ينفصم فتظهر شخصيته “السادية” القاسية التي لا تعرف رحمة بحق المحبوب. أنظر إلى الحقد والرغبة في الانتقام في أغنيته التي يقول فيها:


طاعِنِّي دايماً بى ورا
قاصد محبتي تخسِّرها
صبرك عليْ البعملها فيك
لمِّن تموت تتذكرها !!

ليس لدي تعليق، فالكلمات وحدها تدل على المتشاعر والمتفنن، وبكل أسف على نوعية الجمهور الذي يهلل لمثل هذا المؤدي.
من نجوم هذا الجيل البائس الفنان نزار المهندس.ومن أشهر غنائه أغنية بعنوان “أحرد الجكسي”! يقول في مطلعها:
حتكوني إنتي معايْ وبيِّ حتحسِّي
ولا أقنع ساي واحرد الجكسي؟!
ومن أغنياته “عليك الله يا الاستاذ” و”الشاكوش” والفي ريدو فرّط دقس” و”ببقى ليك في حلقك” و”حقو تمشي” و”شهادة عربية” و”جركتك جبانة”.
أما الفنان صديق عمر فهو انتقل بالغناء السوداني إلى مرحلة ثورة التكنولوجيا بأغنيته “قلبك عشرة قيقا”! يقول فيها:


قلبك عشرة قيقا بيحب في كل دقيقة
مزيّف كلو حبك مشاعرك ما حقيقة
يخون فردي وجماعي يبيع!!

وبعد؛

فإن هذه هي الصورة بكل تشوهاتها وغبارها وقدرتها على إحداث الصدمة وليس الدهشة. وهي بالطبع دليل إدانة دامغ لنظام ما يسمى الحركة الإسلامية التي شبعت موتاً واختطفت اسمها عصابة من المجرمين القَتَلَة. ولعل محاولات اختطاف شعبية محمود عبد العزيز والسيطرة عليه حياً وميتاً تمثل أبلغ دليل على بشاعة النظام ورجالاته، ففي عهدهم ينحط الفن السوداني الذي صنع الوجدان الموحد والمزاج الجمعي للسودانيين إلى هذا الدرك. وكنت قد أشرت في أحد مؤلفاتي عن تاريخ الغناء والموسيقى في السودان إلى أن النظام حاول وأقدم على اغتيال الغناء السوداني، بمنع بث أغنيات عتيقة، ومحو الشرائط المرئية لأغنيات البلابل في فترة ظهورهن، وحظر تسجيل الأغنيات الجديدة أكثر من 14 عاماً بعد استيلائه على الحكم في عام 1989. وأشرت إلى حظر استيراد مواد صناعة الإنتاج الفني، مثل شرائط الكاسيت، إلى درجة أن محل “منصفون” المعروف بريادته لهذه الصناعة اضطر إلى وقف التسجيلات الغنائية وبيع تسجيلات المدائح بدلاً منها! كما أشرت إلى أن الفنان الكبير الراحل سيد خليفة مات مغبوناً لأن أقطاب النظام كانوا يحضونه على هجر الغناء والاقتصار على المدائح، كأن في غنائه ما يدعو للخجل. وأشرت أيضاً إلى أن فناناً كبيراً من جيل الرواد- أمد الله في أيامه- كان يقتات من محل لبيع تسجيلاته الغنائية، وفجأة صدر قرار حظر استيراد الشرائط الكاسيت اللازمة لأشغاله، فاضطر- بإيعاز من مجرمي النظام لأنفسهم- إلى التقدم بطلب لاستثنائه من الحظر المذكور بدعوى أنه يريد أن يعبئ تلك الشرائط بالمدائح!

غير أن ذلك كله لا يمنع وميض الأمل في عدد من الشبان الذين ينبغي أن يبحثوا عن القدوة، ويتسلحوا لمعركة الحداثة والتطوير بالمعرفة، واستشارة ذوي الدراية والخبرة. وبصفتي مراقباً قديماً لهذه الساحة، أقول إني يحدوني أمل كبير في أن يبدي الفنان وليد زاكي الدين قدراً أكبر من العزم والجدية والقدرة على مجابهة الصعاب، ليقدم فناً يخلده، ويساهم به في التاريخ الاجتماعي لبلاده. كما أن هناك أصواتاً أصيلة تستحق الرعاية والاهتمام والتشجيع لسد الفراغ الذي تركته فاجعة رحيل محمود عبد العزيز وهو في ريعان شبابه، ومنهم عصام محمد نور، وصفوت الجيلي، وعاطف السماني، وعمر جعفر.
أقول إني محزون من غياب محمود عبد العزيز على رغم أني لست من عشاق غنائه وأسلوبه في الغناء! لكن ذلك لا ينبغي أن يحول دون الإنصاف في نقده وتقويم عطائه وتقدير تفرده بصوته وأسلوبه في الأداء وغزارة إنتاجه وقدرته الاستثنائية على أداء أغنيات الفنانين والتراث بطابعه الأدائي الخاص.

إن شعراء الغناء الجيدين موجودون وسط أبناء هذا الجيل. لكن ينبغي عليهم أن يقرأوا وتتنوع قراءاتهم من كل المراحل التاريخية للشعر والأدب. وأن يعوا أن هناك فرقاً بيِّناً بين الشعر وكلام العوام والشوارع، وأن للشعر الغنائي وظائف وقواعد ونظاماً وجرساً وموسيقى وإيقاعاً داخلياً لا بد من توافره. وأن التباري في النظم عن رائحة البن ومشاهد الحياة في البادية لن يضيف جديداً إلى هؤلاء الشباب سوى العودة إلى الماضوية، والتغني بصور سبق إليها الرعيل الأول من شعراء الوطن.

بقلم / معاوية ياسين

—————-

الحوت | حواته يا محمود ما لينا اي حدود

———

 

 

 

عن al7oot

خريج كلية علوم التقانة قسم علوم حاسوب ومتخصص في تصميم المواقع وادارتها .. من عشاق الراحل الفنان الانسان " محمود عبد العزيز " وكما يحلو لعشاقه ان يسمونه " الحوت " ونسال الله له الرحمة وان يجعله من اصحاب اليمين ولاهله حسن العزاء ولنا الصبر الجميل.

شاهد أيضاً

انهم-يوثقون-له-بلا-مواربة

انهم يوثقون له بلا مواربة من مذكرات حواتي (2)

المكان : نادي الاسكلا السياحي بشارع النيل الزمان : 1996 امسية رمضانية عتقها الحوت بطربه العالي لكن …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*